محمد الريشهري
210
كنز الدعاء
وحَفِظتَني وكَنَفتَني وكَفَيتَني ، ودافَعتَ عَنّي وقَوَّيتَ ، فَتَظاهَرَت نِعَمُكَ عَلَيَّ ، وتَمَّ إحسانُكَ إلَيَّ ، وكَمُلَ مَعروفُكَ لَدَيَّ ، بَلَوتَ خَبَري ، فَظَهَرَ لَكَ قِلَّةُ شُكري ، وَالجُرأَةُ عَلَيكَ مِنّي ، مَعَ العِصيانِ لَكَ ، فَحَلُمتَ عَنّي ، ولَم تُؤاخِذني بِجَريرَتي ، ولَم تَهتِك سِتري ، ولَم تُبدِ لِلمَخلوقينَ عَورَتي ، بَل أخَّرتَني ومَهَّلتَني وأَنقَذتَني ، فَأَنَا أتَقَلَّبُ في نَعمائِكَ ، مُقيمٌ عَلى مَعاصيكَ ، اكاتِمُ بِها مِنَ العاصينَ وأَنتَ مُطَّلِعٌ عَلَيها مِنّي ، كَأَنَّكَ أهوَنُ المُطَّلِعينَ عَلى قَبيحِ عَمَلي ، وكَأَنَّهُم مُحاسِبونَ عَلَيها دونَكَ . يا إلهي ! فَأَيَّ نِعَمِكَ أشكُرُ ؟ مَا ابتَدَأتَني مِنها بِلَا استِحقاقٍ ، أو حِلمَكَ عَنّي بِإِدامَةِ النِّعَمِ ، وزِيادَتَكَ إيّايَ كَأَنّي مِنَ المُحسِنينَ الشّاكِرينَ ، ولَستُ مِنهُم ! إلهي ! فَلَم يَنقَضِ عَجَبي مِن نَفسي ، ومِن أيِّ أموري كُلِّها لا أعجَبُ ؟ مِن رَغبَتي عَن طاعَتِكَ عَمداً ، أو مِن تَوَجُّهي إلى مَعصِيَتِكَ قَصداً ، أو مِن عُكوفي عَلَى الحَرامِ بِما لَو كانَ حَلالًا لَما أقنَعَني ! فَسُبحانَكَ ما أظهَرَ حُجَّتَكَ عَلَيَّ ، وأَقدَمَ صَفحَكَ عَنّي ، وأَكرَمَ عَفوَكَ عَمَّنِ استَعانَ بِنِعمَتِكَ عَلى مَعصِيَتِكَ ، وتَعَرَّضَ لَكَ عَلى مَعرِفَتِهِ بِشِدَّةِ بَطشِكَ ، وصَولَةِ سُلطانِكَ ، وسَطوَةِ غَضَبِكَ . إلهي ! ما أشَدَّ استِحقاقي لِعَذابِكَ إذ بالَغتُ في إسخاطِكَ ، وأَطَعتُ الشَّيطانَ ، وأَمكَنتُ هَوايَ مِن عِناني ، وسَلِسَ لَهُ قِيادي ، فَلَم أعصِ الشَّيطانَ ولا هَوايَ رَغبَةً في رِضاكَ ، ولا رَهبَةً مِن سَخَطِكَ ، فَالوَيلُ لي مِنكَ ثُمَّ الوَيلُ ، اكثِرُ ذِكرَكَ فِي الضَّرّاءِ وأَغفُلُ عَنهُ فِي السَّرّاءِ ، وأَخِفُّ في مَعصِيَتِكَ ، وأَثّاقَلُ عَن طاعَتِكَ ، مَعَ سُبوغِ نِعمَتِكَ عَلَيَّ ، وحُسنِ بَلائِكَ لَدَيَّ ، وقِلَّةِ شُكري ، بَل لا صَبرَ لي عَلى بَلاءٍ ، ولا شُكرَ لي عَلى نَعماءٍ . إلهي ! فَهذا ثَنائي عَلى نَفسي ، وعِلمُكَ بِما حَفِظتَ ونَسيتُ ، ومَا استَكَنَّ في ضَميري مِمّا قَدُمَ بِهِ عَهدي وحَدَثَ ، مِن كَبائِرِ الذُّنوبِ وعَظائِمِ الفَواحِشِ الَّتي جَنَيتُها ، أكثَرُ مِمّا نَطَقَ بِهِ لِساني ، وأَتَيتُ بِهِ عَلى نَفسي . إلهي ! وها أنَا ذا بَينَ يَدَيكَ ، مُعتَرِفٌ لَكَ بِخَطايايَ ، وهاتانِ يَدايَ سِلمٌ لَكَ ، وهذِهِ